ابن قيم الجوزية
24
الروح
عبد البر من حديث ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ما من رجل يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام » . ويروي هذا من حديث أبي هريرة مرفوعا قال : « فإن لم يعرفه وسلّم عليه رد عليه السلام » . ( قال ) ويروى من حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلا استأنس به حتى يقوم » . واحتج الحافظ أبو محمد في هذا الباب بما رواه أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ما من أحد يسلم عليّ إلا رد اللّه عليّ روحي حتى أرد عليه السلام » « 1 » . وقال سليمان بن نعيم رأيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في النوم فقلت : يا رسول اللّه هؤلاء الذين يأتونك ويسلمون عليك أتفقه منهم ؟ قال : نعم وأرد عليهم ، وكان صلى اللّه عليه وآله وسلم يعلمهم أن يقولوا إذا دخلوا المقابر : « السلام عليكم أهل الديار « 2 » الحديث : قال وهذا يدل على أن الميت يعرف سلام من يسلم عليه ودعاء من يدعو له .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود برقم 2041 . ( 2 ) أخرج أبو داود برقم 3237 عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم خرج إلى المقبرة فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون » . وأخرج الترمذي برقم 1053 عن ابن عباس قال : مر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بقبور المدينة ، فأقبل عليهم بوجهه فقال : « السلام عليكم يا أهل القبور ، يغفر اللّه لنا ولكم ، أنتم سلفنا ونحن بالأثر » . وأخرج ابن ماجة عن السيدة عائشة رضي اللّه عنها قالت : فقدته ( تعني النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ) فإذا هو بالبقيع ، فقال : « السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، أنتم فرط لنا ، وإنا بكم لاحقون ، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم » . قال الخطابي في معالم السنن : وأما قوله « وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون » فقد قيل أن ذلك ليس على معنى الاستثناء الذي يدخل الكلام لشك وارتياب ، ولكنه عادة المتكلم يحسن بذلك كلامه ويزينه ، كما يقول الرجل لصاحبه : إنك إن أحسنت إلي شكرتك إن شاء اللّه ، وإن ائتمنتني لم أخنك إن شاء اللّه ، في نحو ذلك من الكلام ، وهو لا يريد به الشك في كلامه ، وقد قيل أنه دخل المقبرة ومعه قوم مؤمنون متحققون بالإيمان والآخرون يظنون بهم النفاق ، فكان استثناؤه منصرفا إليهم دون المؤمنين ، فمعناه اللحوق بهم في الإيمان ، وقيل أن الاستثناء إنما وقع في استصحاب الإيمان إلى الموت لا في نفس الموت .